
وکاله آریا للأنباء - فی ظل استمرار التحدیات الاقتصادیه والمالیه التی تواجهها لیبیا، وتجدد النقاش حول إمکانیه رفع الدعم عن المحروقات باعتباره أحد الخیارات المطروحه لمعالجه اختلالات الإنفاق العام والحد من أعباء منظومه الدعم، تتزاید المخاوف بشأن التداعیات...
وبین الرهانات الحکومیه على إصلاح الاقتصاد وترشید الإنفاق، والتحذیرات من انعکاسات تحریر أسعار الوقود على تکالیف النقل وأسعار السلع والخدمات، یبرز تساؤل جوهری حول مدى قدره السلطات على تطبیق هذا التوجه دون تحمیل المواطن أعباء اقتصادیه إضافیه، وما إذا کانت البدائل المطروحه والتعویضات النقدیه کفیله بحمایته من موجه جدیده من ارتفاع الأسعار.ایجابیات وسلبیاتقال المواطن اللیبی فتحی سالم، إن مسأله رفع الدعم عن البنزین تحمل إیجابیات وسلبیات، مشیراً إلى أن أبرز الإیجابیات تتمثل فی ضمان توفر الوقود بشکل دائم، والحد من عملیات تهریبه إلى خارج البلاد، بما یقلص المکاسب التی یحققها المهربون، فضلاً عن ضمان استفاده المواطن اللیبی من الدعم بدلاً من تسربه إلى جهات أخرى.وأضاف سالم، فی حدیثه لـ"سبوتنیک"، أن الجانب السلبی لهذا التوجه یتمثل فی احتمال ارتفاع تکالیف المواصلات، وما یترتب على ذلک من زیاده فی أسعار السلع والمواد الأساسیه وتکالیف المعیشه، موضحاً أن التجار والوافدین الذین یعتمدون على الوقود بالسعر التجاری غیر المدعوم قد یعمدون إلى تحمیل هذه الزیاده للمستهلک، بصوره تدریجیه، وهو ما سینعکس أیضاً على أسعار أجور النقل داخل المدن وبین المناطق.وشدد على ضروره أن ترافق أی خطوه لرفع الدعم حلول بدیله تخفف الأعباء عن المواطنین، من بینها توفیر وسائل نقل عامه بأسعار رمزیه، وإصدار بطاقات مخصصه للمواطنین للاستفاده من خدمات النقل، إلى جانب تشغیل حافلات داخل المدن، بما یضمن توفیر بدائل للأشخاص الذین لا یمتلکون سیارات أو تتعرض مرکباتهم للأعطال.وأعرب سالم عن اعتقاده بأن قرار رفع الدعم لن یجد طریقه إلى التنفیذ، مرجعاً ذلک إلى احتمالات رفض الشارع اللیبی، فی ظل غیاب الثقه بین الحکومات والمواطنین، مستشهداً بتجربه السلع التموینیه التی لم تحقق الأهداف المرجوه منها، معتبراً أن هذه التجربه تعزز مخاوف المواطنین من عدم تنفیذ الوعود والبدائل التی قد تُطرح بالتزامن مع رفع الدعم.عجز المیزانیهأکد عضو مجلس النواب اللیبی علی التکبالی، أن مسأله رفع الدعم عن المحروقات لم تُطرح للنقاش داخل مجلس النواب، موضحاً أن الأمر جاء فی إطار مقترح من جانب الحکومه، ولیس بمبادره من المجلس.وأضاف التکبالی، فی تصریح خاص لـ"سبوتنیک"، أن البلاد تواجه نقصاً فی المیزانیه وعدداً من الصعوبات المالیه، حتى فیما یتعلق بتوفیر المخصصات اللازمه لدفع المرتبات، مشیراً إلى أن مجلس النواب لم یناقش ملف رفع الدعم حتى الآن.ورجّح التکبالی ألا یتم اتخاذ خطوه بشأن هذا الملف خلال الفتره القریبه المقبله.نفقات ضخمهقال الخبیر فی الشأن الاقتصادی علی المحمودی، إن قیمه دعم المحروقات فی لیبیا، وفق التقدیرات المتوقعه خلال العام الجاری، قد تصل إلى نحو 10 ملیارات دولار على أقل تقدیر، أی ما یعادل قرابه 65 ملیار دینار لیبی، إلى جانب نحو 35 ملیار دینار مخصصه لبقیه أبواب الدعم، لیصل إجمالی الإنفاق على الدعم إلى نحو 100 ملیار دینار.وأضاف المحمودی، فی تصریحات لـ"سبوتنیک"، أن نحو 70% من هذه المبالغ تذهب، وفق تقدیره، إلى الجماعات المسلحه وشبکات التهریب ومجموعات النفوذ السیاسی، مشیراً إلى أن هذه الأموال تتحول فی جزء کبیر منها إلى طلب إضافی على الدولار فی السوق الموازیه، بما یعادل نحو 11 ملیار دولار وفق سعر الصرف الحالی.وأوضح أن جزءاً کبیراً من هذه الأموال یُوجَّه أیضاً إلى شراء العقارات والأراضی، الأمر الذی یسهم فی زیاده الطلب علیها وارتفاع أسعارها، لافتاً إلى أن استمرار منظومه الدعم بصورتها الحالیه یساهم فی إطاله أمد الانقسام السیاسی، وتعزیز نفوذ الجماعات المسلحه، والإبقاء على الأوضاع القائمه فی البلاد.وأکد المحمودی أن المعالجات الأمنیه لمشکله تهریب المحروقات لن تحقق النتائج المرجوه، مستشهداً بتجارب دول أخرى، معتبراً أن الحل یکمن فی إعاده هیکله منظومه الدعم واستبدال آلیاتها الحالیه. وطرح فی هذا السیاق خیارین، الأول تفعیل التجربه المعمول بها فی جنوب لیبیا والمعروفه باسم "الکود"، والتی تقوم على تخصیص کمیات محدده من الوقود للمستفیدین، والثانی استبدال الدعم العینی بدعم نقدی مباشر یُمنح للمواطنین وفق احتیاجاتهم، مع توجیه الأموال المتبقیه نحو الاستثمار ومشروعات التنمیه بدلاً من الإنفاق الاستهلاکی.وأشار إلى أن الخزانه العامه فی لیبیا قد تواجه صعوبات متزایده فی تحمل تکالیف دعم المحروقات والمرتبات والمشروعات التنمویه، فی ظل المعطیات الاقتصادیه الراهنه، لا سیما إذا تراجعت أسعار النفط، المصدر الرئیسی للإیرادات العامه فی البلاد.وحذر من أن استمرار تهریب کمیات کبیره من المحروقات إلى الخارج یعنی إهدار أموال الدوله وحرمان الاقتصاد اللیبی من توظیفها فی تحسین الظروف المعیشیه للمواطنین ودعم مسارات التنمیه، مشدداً على أن المقترحات المتعلقه باستبدال الدعم متعدده، لکنها تحتاج إلى دراسات معمقه، ونقاش واضح، إلى جانب بناء قناعه لدى المواطنین من خلال مصارحه حکومیه تشرح أبعاد القرار وتضمن وجود بدائل عادله وفعاله.